محمد بن عبد المنعم الحميري

214

الروض المعطار في خبر الأقطار

يدي الروم في يومين متواليين وذلك في ربيع الأول سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة ، ثم افتتح مدينتي الإمارة : الخالصة والطاهرية في يومين متواليين أيضاً ، وقتل جميع من كان فيها من الروم وهدم الطاهرية يوم الخميس من العام ثم هدم الخالصة ضحى يوم الجمعة من الغد ، وفي ذلك يقول صاحب صقلية حينئذ علي بن الخياط الربعي من قصيدة : فتحنا به الحصنين بالسيف عنوة * وعاد المصلي حيث كان المصلب خبت : بلد دون الجزيرة ، وقيل هو ماء لكندة ، وقال امرؤ القيس : يا دار ماوية بالحائل * فالسهب فالخبتين من عاقل وفي شعر حبيب : * سلام الله عدة رمل خبت * الخريبة : من أعمال البصرة ، سميت بذلك لأن المرزبان كان ابتناها قصراً خرب بعده فابتناه المسلمون بعد ذلك وسموه الخريبة . وبالخريبة كانت وقعة الجمل لعشر خلون من جمادى سنة ست وثلاثين ، وقد مضى من خبر هذه الوقيعة طرف كاف عند ذكر الحوأب . خرخير : هو اسم ناحية تجاور الصين ، وهي كثيرة الخصب والمساكن ، مياههم كثيرة وأنهارهم جارية تجري إليهم من ناحية تخوم الصين ، ولهم على نهرهم الأعظم أرحاء يطحنون بها الأرز والحنطة وسائر الحبوب كذلك ، يطحنونها ويخبزونها ويأكلونها وقد يأكلونها طبيخاً دون طحن فيتقولون بذلك . وهذا الوادي ينبت على حافاته شجر العود ، وفيه سمك يسمى الشطرون يفعل في الجماع ما يفعله السقنقور الذي يوجد في نيل مصر . والمدينة التي يسنكها ملك خرخير مدينة حصينة لها سور منيع وخندق وفصيل كبير ، وبقربها جزيرة الياقوت يحيط بها جبل مستدير صعب الصعود لا يقدر أحد على الوصول إليه إلا بعد جهد ، ولا يقدر أحد على النزول إلى الجزيرة وبها حيات قتالة ، وبأرضها حصى الياقوت كثير ، وأهل تلك الناحية يتصيدون هذه اليواقيت بحيل يعرفونها . ومدن الخرخيرية كلها مجتمعة في موضع واحد من الأرض في ، نحو ثلاث مراحل ، وهي أربع مدن كبار ، ولها أسوار منيعة ، وأهلها أهل عدة وقوة وحمية . وتنتج في بلاد الخرخير الخيل والغنم والبقر ، وخيلهم قصار الرقاب سمان ، وهم يعلفونها للأكل والذبح ، وأكثر تصرفهم وانتقالهم على البقر . ونساء الخرخير يتصرفن في جميع الأشغال ، وليس للرجال تصرف في أكثر من الحرث والحصاد ، والنساء يحجبن أطراف ثديهن لئلا تعظم وفيهن نزالة وشدة مثل الرجال ، وهم يحرقون موتاهم ويلقون رمادهم في النهر ومن بعد منهم عن النهر أحرق ميته وذرى رماده في الريح . خراسان : قطر معروف ، قال الجرجاني : معنى خر : كل ، وسان معناه سهل ، أي كل بلا تعب ، وقال غيره : معنى خراسان بالفارسية مطلع الشمس . وهو عمل كبير وإقليم جليل معتبر ، وفي شعر الحكيم الذي ذكر أقطار الأرض وحكم لها قوله : " والدنيا خراسان " ؟ والعرب إذا ذكرت المشرق كله قالوا : فارس ، فخراسان من فارس ، وعلى هذا يؤول حديث النبي صلى الله عليه وسلم : " لو كان الإيمان معلقاً بالثريا لنالته رجال من فارس " أنه عنى أهل خراسان ، لأنك إن طلبت مصداق هذا الحديث في فارس لم تجده لا أولاً ولا آخراً وتجد هذه الصفة نفسها في خراسان ، دخلوا في الإسلام رغبة ، ومنهم العلماء والمحدثون والنساك والمتعبدون ، وإذا حصلت المحدثين في كل بلد وجدت نصفهم من أهل خراسان ومنهم ، البرامكة والقحاطبة وطاهر وبنوه وغيرهم . وأما أهل فارس فإنهم كانوا كنار خمدت لم تبق لهم بقية تذكر إلا ابن المقفع وابنا سهل : الفضل وحسن .